الشيخ محمد عبده

52

رسالة التوحيد

الهوامش : ( 55 ) فيه أن النظر العقلي قد اهتدى إليه وبناه على القاعدة التي أشار إليها في الكلام على صفة الحياة ، وهي أن كل كمال وجودي محض يجب أن يتصف به واجب الوجود ، وفصله ابن تيمية برسالة خاصة . ( 56 ) إن الله تعالى جعل للناس طرقا عامة كالحواس والعقل يكسبون بها العلم كسبا فينالون منه بحسب استعدادهم واجتهادهم ، واختص من شاء من المصطفين بعلم ينزله على قلوبهم ، ويفيضه على أرواحهم ، بلا كسب منهم ، فالعلم هو القوة أو الصفة التي تنكشف بها المعلومات للنفس بكسب أو بغير كسب . وفيها قوة أخرى تتصرف بها في المعلومات وتصورها بصور قابلة لإعلام قابل العلم بها ، فيها يتمكن الإنسان من إفادة غيره ما شاء من علمه ، وهي صفة الكلام ، فما كان منه في النفس يسمى كلاما نفسيا ويعبر عنه بالقول والكلام والحديث ، فيقول : قلت في نفسي كذا وحدثتني نفسي . وقال عمر يوم السقيفة : زورت في نفسي كلاما . وما تحصل به الإفادة والإعلام بالفعل من قول أو كتابة أو غيرهما ويوجه إلى من يراد إعلامه به فيعلمه يسمى كلاما لفظيا . وقد استعير لفظ العلم الّذي يستعمله البشر في أنفسهم للعلم الإلهي المحيط بكل شيء ، واستعير للفظ الكلام للشأن الإلهي الّذي به يوحى الله تعالى إلى ملائكته ورسله ما شاء من العلم ، ويكلم من شاء وحيا من وراء حجاب ، فقيل : إن لله كلاما هو صفة له أي شأن من شؤونه ، وهو مصدر الوحي وإفادة العلم للأنبياء والملائكة وسمى ما يوحيه كلاما أيضا ، وليس في اللغة لفظ يعبر به عن ذلك يقوم مقام هذا اللفظ المستعمل في كلام الناس مع العلم بتنزيه كلام الله النفسي عن مشابهة كلام الناس كعلمه وعلمهم وقدرته وقدرتهم ، فالكلام النفسي صورة للعلم الذاتي في النفس ، كما أن العلم صورة للمعلوم فيها ، ولذلك كان كلامه تعالى لا نهاية له كعلمه ، فكلام الله صفة ذاتية له تتعلق بكل ما في علمه ، ويكشف ما شاء من علمه لمن شاء من خلقه وهو التكليم ، كما أن علمه صفة ذاتية له تتعلق بكل شيء تعلق انكشاف وإدراك من غير سبق خفاء ؛ فالكلام كمال وجودي محض لو لم يكن الخالق متصفا به لكان ناقصا ( سبحانه ) بفقده في الأزل له ، ولكان غيره من الموجودات كإنسان أكمل منه على ما سبق بيانه في صفة الحياة . تعالى الله عن ذلك . فالكلام هو الوصف الفاصل بين الإنسان والحيوان . وقد احتج الله على بطلان ألوهية عجل بني إسرائيل بقوله : ( أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ) وإنما الإله الحق هو الّذي يملك هدايتهم بكلامه وضرهم ونفعهم بقدرته ، ولو خلق الله تعالى في نفس الملك أو النبي علما بما أراد إعلامه به لم يكن صادرا عن كلامه النفسي ومرآة له لما صح أن يسمى هذا العلم . كلاما لله تعالى ، كما أن سائر علوم الخلق الضرورية التي لا كسب لهم فيها من خلقه تعالى ولا تسمى كلاما له . وكذلك الكسبية بالأولى .